أحيا المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، برعاية رئيس المجلس الشيخ عبد الأمير قبلان مراسم عاشوراء، في مقر المجلس وعبر صفحته على فايسبوك، وألقى نائب رئيس المجلس العلامة الشيخ علي الخطيب كلمة في الليلة الثامنة قال فيها: "في كل أمة من الأمم وجماعة من البشر، أشخاص ورموز يحتلون فيها مواقع معنوية متميزة، ويكونون موضع إحترام وتقديس، ويتفاوت هذا الإحترام من شخص لآخر، ولا شك أن هذا ليس نابعا من أمر عشوائي ومزاجي. قد يكون كذلك على مستوى أفراد معدودة، ولكنه لا يتعدى ذلك ولا يمكن أن يشكل ظاهرة عامة على مستوى أمة أو قاعدة عريضة وواسعة وشريحة كبيرة من الناس. فبعض الناس قد تتعلق قلوبهم بشخص ويكون موضع محبتهم وتقديرهم لبعض الصفات والطباع، التي يتمتع بها وقد تكون هذه الصفات والطباع غير محمودة عند العقلاء، كمن يرى في بعض الطواغيت نموذجا له يحب الإقتداء به، ويتمنى أن يكون مثله. ولكن للعقلاء من الناس موازين معينة فيعظمون أحدا أو يسقطونه على أساسها".
أضاف: "ويمثل الإمام الحسين أحد هذه الرموز المهمة في تاريخنا، لـ 3 أمور: الأول: أنه إبن بنت رسول الله ولم ينسب أحد في التاريخ إلى أصله من أمه إلا الحسن والحسين، والنسب إلى الأصول الكريمة موضع فخر عند العقلاء ومحل إحترام عندهم.
الثاني: لما يتمتع به من الصفات الكمالية والخلق الرفيع كالعلم والتقوى والكرم والتواضع والمحبة للناس والإهتمام بالمساكين والفقراء وضعفة الناس.
ثالثا: إقدامه على الثورة في وجه النظام الأموي ومواجهته في الوقت الذي سكتت فيه كل الألسن ولم يتجرأ أحد على معارضته ومواجهته، لما يتمتع به هذا النظام من وحشية وقساوة في التعامل مع من يخالفه الرأي أو ينكر عليه ممارساته اللاأخلاقية ومجونه وإرتكاباته المخالفة لأبسط تعاليم الإسلام والدين".
وتابع: "إذا، إحتل الإمام الحسين هذه الموقعية في نفوس الناس وتحول إلى رمز للأحرار يقتدون به ويسيرون على نهجه لما يحتله من موقع ديني، أولا، فهو إبن بنت رسول الله، وثانيا بما إمتلكه من صفات أخلاقية وشجاعة في الإقدام على التضحية في معركة خاسرة عسكريا، أي لا تعود عليه بنفع خاص في الوقت الذي كان يستطيع العيش آمنا، لو سلك نفس طريق الآخرين من قيادات المجتمع ورؤساء العشائر ومن رجالات الصحابة ومن لهم موقع في الأمة، أو كان بإمكانه القبول بالتسوية والمساومة على حساب دينها وقيمها كما يفعل الكثيرون ويخيرون بين الموت والقتل و تعريض الأهل للقتل والأسر، وبين السلامة ورغد العيش والحياة الهانئة. هذا الإخلاص الذي لا نظير له والتفاني في الدفاع عن مصالح الأمة وعن دينها وعقيدتها، أعطى الإمام الحسين هذه القدسية في نفوس المؤمنين حتى أصبح نموذجا يتغنى به الأحرار من كل الشعوب إلى أي دين انتموا، فالقيادة مسؤولية أمام الله أولا وأمام الناس ثانيا، لأنه يتحمل مسؤولية إقامة العدل في الأرض ومواجهة الظلم والإنحراف، وهذا يستلزم مواصفات يجب أن تتوفر فيه تستدعيها المهام التي عليه تحقيقها كالعلم والمعرفة والشجاعة، فإن تطبيق العدل يستلزم العلم والمعرفة بقواعد العدل التي تفرضها الشريعة ومواجهة التضليل، كما أنه بحاجة إلى الإحاطة العلمية التي تمكنه من الرد على الشبهات التي يثيرها الأعداء، ورد الإعتداءات من القوى المعادية بحاجة كذلك إلى معرفة بالسياسات وإلى التقوى والشجاعة في إتخاذ القرار وعدم الخضوع للإبتزاز عند حراجة الموقف، الذي يستلزم عدم التردد".
وقال: "إذا من هذا المنطلق نحن نتخذ من الإمام الحسين نبراسا ورمزا، ومن هذا المنطلق نحيي عاشوراء، فنحن لا نحيي عاشوراء كما ذكرت في أوائل ليالي محرم كطقوس نتميز فيها عن سائر الجماعات وعن سائر الناس. ليست عاشوراء كما يقال (زي) يعني ما يتزي به كما هو حال الناس والشعوب التي تتخذ لنفسها (أزياء) ثياب معينة تدل فيه على خصائصها في اللبس وفي الأكل أو في الطقوس. نحن نحيي في عاشوراء هذه القيم التي تميز بها الحسين وكانت سببا في جعله رمزا لنا. من المسؤولية العالية والحس الإنساني الرفيع الذي يعبر عن الحب للناس، عن الشعور بالناس، عن فداحة الظلم، عن الإحساس المرهف بآلام الناس ومعاناة الناس".
وأشار إلى أن "الإمام الحسين لم يكن يمارس ترفا في الحياة، لم يكن يمارس مغامرة، لم يكن يلعب بمصير الناس وبدماء الناس، لم يكن يستغل غباء بعض الناس وجهل بعض الناس، وإنما كان يواجه من كان يغامر ويقامر بدماء الناس ويلعب بمصيرهم ويستغل جهلهم، وحينما يمتلك القدرة يتحول إلى وحش يقهر إرادتهم ويتنمر عليهم ويحقر إنسانيتهم، ويقول لهم إني أعرف أنكم تصلون وتحجون فما لهذا أتيت، بل لأتآمر عليكم وألي رقابكم. قهر إرادة الناس وإستغلالها، هو الذي كان يجرح مشاعر الحسين، ليس هناك في الإسلام فريضة أهم وأعظم من الإهتمام بالناس وكرامات الناس والسعي في قضاء حوائجهم، وقد قال رسول الله: "ليس منا من بات شبعانا وجاره جائع"، يعني هو لا يمت بأهل البيت بصلة. أهل البيت يتبرؤون من الذي يملك شيئا يمكن أن يستغني عنه، وله جار جائع ومحتاج فيحرمه منه، وإذا كان لا يملكه لا يسعى في تحصيله من أجلهم. إذا، المؤمنون هم أولى الناس في السعي لتلبية حاجات المحتاجين ورفع الظلامات عنهم".
أضاف: "هذه سياسة الإسلام نتعلمها من نبي الإسلام ومن أئمة المسلمين ومن سيرة المسلمين وهي السياسة الحقيقية. تخرج بعض أصوات النشاز لتنتقدنا حينما نطالب بالإصلاحات وحينما ننتقد الفساد وإن علينا ألا نتدخل بالسياسة، نحن لا نتدخل بالسياسة بالمعنى الذي يمارسونه، سياسة المكر وسياسة تضليل الناس وخداعهم. إن الوقوف إلى جانب الضعفاء والمطالبة بحقوقهم والدفاع عن قضاياهم من صميم واجباتنا ومسؤولياتنا. هذه الأزمات المتكررة في النظام على كل المستويات التي أدت إلى حروب داخلية متكررة، أفضت إلى الخراب وإلى الجوع وإلى الموت والتهجير وتشريد العائلات وإلى ترمل النساء وإيتام الأطفال والتخلف على كل المستويات، وها نحن اليوم نعود إلى نفس الأزمة. إنها أزمة وطنية، أزمة ضمير ووجدان لدى الطبقة المستأثرة والتي تمسك بالمال والإقتصاد والسياسة والإعلام".
ورأى أنه "آن لنا أن نخرج لبنان من هذه الدوامة التي نعرف جميعا أن علتها وأسبابها أمراء الطوائف، الذين يتقاتلون باسم الطوائف وحقوقها ثم يجلسون إلى الطاولة ليتقاسموا المغانم دون أن يحصل الفقراء من طوائفهم إلا على الفتات. أبناء الطوائف هم كالأيتام على مائدة اللئام. نصيبهم فقط هو دفع أثمان الحروب التي يشعلها هؤلاء ونحن سنبقى إلى جانب الفقراء والمستضعفين والمظلومين من كل الطوائف في لبنان، نطالب بحقوقهم ونسعى لرفع الظلامات عنهم ونقف في وجه الظالم. إننا بحاجة إلى قيام الدولة العادلة التي تعامل أبناءها كمواطنين أحرار لا كعبيد وتجار".
وختم: "نحن نستنكر بشدة الاعتداءات الاسرائيلية على بعض القرى الحدودية الجنوبية في ميس الجبل وحولا وعيترون، التي حصلت أمام أعين العالم كله كما كان يحصل على مدى العقود الماضية في ظل صمت مطبق من الامم المتحدة، في وقت يطلب فيه التجديد لقواتها العاملة في جنوب لبنان، نحن لسنا ضد تجديد لهذه القوات ولكن هذه القوات لم تكن في يوم من الايام لتدافع عن لبنان ولتحمي الجنوب ولتحمي قرى الجنوب. ان الذي يحمي لبنان ايها اللبنانيون هو وحدة شعبه وسلامه الداخلي ومقاومته المتأهبة دائما للدفاع عنه كما اثبتت دائما".
وتلا الخطيب الحسيني السيد جعفر الموسوي المشعشعي مجلس العزاء الحسيني ، وعرف بالمناسبة يحيى كركي. وتلا الشيخ موسى الغول زيارة الامام الحسين.
هذا، ويعتذر المجلس عن استقبال محبي ابي عبد الله الحسن نظرا للظروف الصحية الصعبة جراء تفشي جائحة الكورونا.
